عبد الملك الجويني
337
الشامل في أصول الدين
فإن راموا في ذلك فصلا وقالوا : البقاء نفس الوجود ، كان ما قالوه باطلا . إذ لو كان البقاء وجودا ، لكان كل موجود باقيا ، حتى يكون الحادث في أول حال حدوثه باقيا ، من حيث تحقق له الوجود . وهذا ما لا سبيل إليه . ثم كيف يقول ذلك من يجعل الوجود أقنوما في حكم الصفة للجوهر ! فإنه إن لم يبعد كون الوجود أقنوما زائدا على ذات الجوهر ، لم يبعد كون البقاء أقنوما زائدا على الوجود . وكذلك يلزمهم أن يجعلوا كون الجوهر قائما بنفسه ، وكونه شيئا قديما أقانيم . فإن جميع ما ذكرناه لا يتعداه . ولا جواب لهم عن شيء من ذلك . وإن ألزمناهم في تضاعيف الكلام كون الإرادة أقنوما ، وكون الكلام كذلك ، فزعموا أن الإرادة والكلام حادثان ، جررنا عليهم ما يدل على قدمهما . وأقرب الأمور أن نلزمهم حدث العلم ، كما قالوا بحدث الإرادة . ولو راموا فصلا بينهما ، لم يجدوه . والكلام في ذلك يطول تتبعه ، وفيما ذكرناه غنية . وقد أغفلنا في باب الجوهر كلاما للنصارى ذكره القاضي ، ولم نزدلفه إلا لظهوره ، وذلك أنهم قالوا : وجدنا الموجود شاهدا ينقسم إلى : جوهر ، وإلى ما ليس بجوهر . ثم ما ليس بجوهر صفة . فيجب أن يكون كل موجود صفة أو جوهرا . وربما قالوا معبرين عن هذا المعنى : كل موجود صفة أو موصوف ثم كل موصوف جوهر . وتمسكوا في ذلك بالشاهد المحض من غير اعتبار ربط . والاستشهاد بمحض الشاهد على الغائب يجر إلى التعطيل ، والقول بالدهر ، إذ طرده يوجب أن يقول القائل : لا موجود إلا وهو حادث ، تمسكا بالشاهد ، ولا طير إلا من بيض ، إلى غير ذلك ما سنوضحه في كتاب « الصفات » إن شاء اللّه . وأقرب ما يلزمهم أن يجعلوا الدهر القديم متحيزا مختصا ببعض الأقطار تمسكا بالشاهد ، ويجعلوه قابلا للأعراض رجوعا إلى محض الوجود . وهذا مما يأباه النصارى . فإن من أصلهم تقديس الإله عن الحدود ، والأقطار ، والجهات ، والغايات ، وقبول الحوادث والأعراض ، فبطل ما عولوا عليه من كل وجه . القول في ذكر مذاهبهم في الاتحاد وتدرع اللاهوت بالناسوت ووجوه الرد عليهم فيها اعلموا عصمكم اللّه أن أول ما يحتاج إلى تقديمه ذكر مذاهبهم في الاتحاد ، والتدرع على التفصيل . ولهم فيه مذاهب متباينة ، وهم فيها متقاطعون ، متدابرون ، يكفر بعضهم بعضا .